(( الهآيم ))
شخصي
.
.

بالبناء تقوم الحياة

اهتمام الإنسان بتحقيق طموحاته والعمل من أجلها واستغلال الفرص السانحة للسير خطوة نحو الهدف هو ما يمكن تسميته بـ "البناء"، بحيث يحرص الشخص على بناء حياته كما يريد هو، ذلك البناء الذي ينتج بسبب التراكم المنظم والهادف لعدد من الأعمال اليومية الصغيرة لتصبح – بعد زمن - إنجازات كبيرة تدل على أن الإنسان عمل لمستقبله.

في ظل هذه الأهمية لـ "البناء" تبرز ظاهرة "ردود الأفعال" المنتشرة بشكل كبير، حيث يقيم كثير من الناس حياتهم ويتخذون قراراتهم الصغيرة والكبيرة كرد فعل لما يحصل لهم في الحياة، مركزين اهتمامهم الوقتي على كيفية التعامل مع الحوادث دون التفكير فيها على المدى البعيد، ودون أن يبادروا بتحديد ماذا يريدون بدقة ويرسموا أهدافهم ويخططوا لتحقيقها.

ومن المتوقع أن من تكون قراراته مجرد ردود أفعال فسيكون أكثر تشتتاً وأقل إنتاجية وأضعف جودة، بينما سيعمل المهتم بـ "البناء" – فرداً أو مؤسسة أو مجتمعاً – على إقامة حياته كما يريد هو وطبقاً لرؤيته للحياة.

إن الاهتمام بالبناء لا علاقة له بما يحصل للإنسان من عوائق، إنه وضوح في الطموحات والأهداف وخطط التنفيذ، والأفراد والمؤسسات والمجتمعات والمربون الذين يهتمون بـ"البناء" يقضون أغلب أوقاتهم في تحقيق أهداف مرسومة وواضحة يريدونها لأنفسهم ومؤسساتهم.

وفي المقابل فالمسؤول الذي تستهلكه المشاكل وتأخذ وقته، سواء كانت مهمة أو غير مهمة سيكون مستقبل مؤسسته في مهب الريح مهما كان الجهد الذي يبذله ودرجة إخلاصه. والأب والأم والمعلم الذي يشكو من كثرة مشاكل الأطفال والمراهقين من حوله فذلك لأنه لا يملك أهدافاً يسير عليها لـ "بناء" شخصياتهم. والشخص الذي يتبرم من واقعه بسبب الملل وكثرة الإحباطات التي تواجهه – كما يردد - يجرب كل شيء، ومقتنع داخلياً بأنه مظلوم أو أن التعاسة تلاحقه فهو ضائع في بحر الحياة ولن يخدم نفسه ولا مجتمعه. والمجتمع الذي يكتفي بالدعاء على أعدائه أو السير في مظاهرات وإحراق الأعلام ويظن أنه أدى ما عليه لم ينتصر على نفسه ولن ينتصر على أعدائه.

ولا يمكن حل المشاكل الإدارية والتربوية والاجتماعية... بمجرد رفضها أو لعنها أو الصراخ في وجه منفذيها، ولا أن يحقق الإنسان نجاحات لنفسه دون أن يعرف ماذا يريد ويعمل لتحقيق ذلك.

ومما يزيد المشكلة سوءاً أن من يقيمون حياتهم على ردود الأفعال ينتظرون نتائج من يقوم بالبناء ومن وضع الأهداف ورسم الخطط، ولذلك قد يعلق الواحد منهم: أنا عملت وما نفع، وصنعت كذا ولا يوجد نتائج!.

وأفضل الأساليب لتقليل المشاكل أو تفاديها هو أن يكون للإنسان هدف يسعى له، ويبادر لتحقيقه، ويهتم بكل ما يوصل إليه. أما من لا يملك ذلك فسيقضي حياته في تأزم نفسي لكثرة مشاكله، وللأسف فإن أهدافه وحياته ستكون مرهونة بالقضاء على تلك المشاكل التي حتى لو تم حلها فسيبقى بلا إنجاز حقيقي.

ومع أنه من المهم أن ينفس الإنسان عن نفسه بردود الأفعال إلا انه لابد أن يحذر من أن يقيم حياته وقراراته على ردود الأفعال. والمشكلة ليست في التنفيس عن الذات، بل هي في أن الإنسان ينفس عن نفسه ويظن أن المهمة انتهت، وأنه قد قام بالواجب "وما قصّر". فالإنسان "ما بعد رد الفعل" يظن أن مهمته انتهت، وأنه عالج الموقف بكل حكمة ولن تتكرر المشكلة مرة أخرى... مع أن عقلية "البناء" ترى أنه يجب أن يستفاد مما وقع في التخطيط للمستقبل حتى لا يعود.

وإذا كان البناء – بأهدافه وخططه - يحتاج إلى طاقة عالية وهمة قوية، فإن قضاء الحياة بردود الأفعال تفرغ تلك الطاقة وتهدرها، وعلى من يقيمون حياتهم على ردود الأفعال أن لا يتعجبوا إذا لم يكن لديهم العزيمة الكافية للعمل، وأيضا لا يغضبوا إذا تكررت الأخطاء والمواقف من حولهم.

صحيح أن الحياة مليئة بما يتطلب ردود أفعالنا، ولكن علينا أن نحذر من أن لا تأخذ ردود أفعالنا الكثير من وقتنا، وما يستحق التوقف من مشاكل وأمور عارضة فيجب أن ندخله لأهدافنا حتى يصبح جزءاً من بنائنا للحياة. بعبارة أخرى لابد أن نجعل ردود أفعالنا تسهم في تطوير برنامج البناء الذي وضعناه لأنفسنا
.

                                       منقولآ

 الهايم (( أهيم ))

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.