(( الهآيم ))
شخصي
.
.

الحوار للفهم لا للإقناع

الحوار من أصعب المهام الحتمية في حياة البشر، وهو عملية تحتاج إلى مهارة عالية ورقي في الوعي والنضج. ولذلك تتفاوت النسب بين الأفراد والشعوب في ممارسة الحوار بشكل إيجابي ومنتج، والمخفقين في صنع تواصل ناجح أكثر من المتفوقين، خاصة في المجتمعات النامية التي ليست جاهلة تماما ولا خاضعة لسلطة قبيلة أو رئاسة تنفذ ما يطلب منها ولا تملك من أمرها شيئا.

وسبب هذه الصعوبة أن الحوار الناجح لابد أن يحقق المعادلة الصعبة بين (الأنا) و(الـ:نحن)، أي بين الاستقلالية (أنا) والاندماج مع الآخرين (نحن)، وهي عملياً ليست سهلة وتحتاج إلى تعليم وتدريب منذ الصغر في مهارات التفكير وحدود العلاقات وأساليب تفاعلاتها. فسيطرة (الأنا) تخلق العمل الفردي وتغذي الصراع، وسيطرة (الـ:نحن) تلغي شخصية الفرد وإسهامه وخصوصيته.

هناك الكثير من أبجديات الحوار وآدابه يقل طرحها، وتحتاج إلى جهد حتى تصبح جزءاً من شخصية الإنسان، ومنها : أن أهم نقطة يجب أن يركز عليها المتحاوران هي أي يحرص كل واحد منهما على يفهمه من أمامه كما يريد هو. كثير من الحوارات تتجاوز مرحلة الإفهام، وهي المرحلة الأولى والقصد الرئيسي من الحوار، منحرفة إلى الحرص - وربما الإرغام الخفي - على الإقناع، مع أن الإقناع مرحلة تالية للفهم.

ومما يزيد المسألة تعقيداً أن أي بوادر لرفض أحد المتحاورين فكرة الآخر يأخذها صاحبه مأخذا شخصياً، وأنه هو المرفوض أو المناقش – بالفتح - وليس الفكرة. وهذا يعكس السطحية وضيق الأفق. ومن المتحاورين من لا يستطيع الفرز بين مشاعره العاطفية (مع أو ضد) وبين آرائه التي يجب أن تخدم القضية المناقشة فقط فيسير الحوار بشكل عشوائي ويخرج الطرفان بمشاكل أكثر وأعقد مما كانا عليه بداية الحوار.

وما من متحاورين حرصا على أن يفهم كل منهما صاحبه كما يريد، وتركا مرحلة الإقناع لقوة الفكرة ومنطقيتها، ومدى إخلاص الطرف الآخر للقضية وحرصه عليها إلا كان حوارهما مفيداً لهما ومؤدياً غرضه الذي تم من أجله.

كثير من المشاكل الإدارية وخلافات الاجتماعات واللجان وفرق العمل سببها سوء الاتصال، وعدم وضع هدف أساسي للحوار بينهما. وما يحدث من خلافات عائلية أو تربوية أو بين الأصدقاء والزملاء فيرجع أغلبها إلى حرص أحد الطرفين على إرغام الآخر بما يراه، محتكراً الحقيقة عنه وملغياً شخصيته وفهمه، فتتأزم الصراعات وتتلاشى الإنتاجية، ولو أن الطرفين ركزا على الفهم، وبدأ يعرض الواحد على الآخر – مجرد عرض – أن يقتنع برأيه لتغير مسار تعاملات الناس مع بعضهم بشكل كبير. فلنجرب أن نركز حرصنا على أن نُفهم كما نريد، ولا يهمنا اقتناع الطرف الآخر، وحينها سنشعر بمشاعر البهجة، ونتذوق النضج الفكري اللذيذ.

ومن تقنيات الحوار الناجح الذي يزيد من الاحترام المتبادل بين المتحاورين ويرفع درجة ثقتهما وإيجابيتهما فيما بينهما أن يكرر المستمع ما يقوله المتحدث ويتواصل معه بالعيون ويردد بعض عباراته، وأن يعكس له تفكيره عن مشاعره، ويذكر مشاعره أو تخوفاته بنفس ألفاظه ويعدد ما يتفق معه فيه ويشكره على ذكر تلك الأشياء المهمة. وفي الحوارات العملية لابد القيام بكتابة بعض المهام وتحديدها مثل الهدف من الحوار، وتحديد القضية بدقة، وتحديد المفاهيم والمصطلحات المستخدمة، ونقاط الاتفاق، ثم نقاط الاختلاف وبداية النقاش فيها.

إن مما يؤثر سلبياً على الهدف من الحوار (وهو الفهم والإفهام) ليس فقط أن المستمع لا يترك فرصة لصاحبه ويقاطعه كثيراً ولا يحترم مشاعره ورأيه، بل قد يبدو منصتاً في مظهر المستمع الجيد وهو في واقع الأمر مشغول جدا بالإعداد للرد والنقض، أو أنه سارح في الخيال وينتظر دوره في الكلام وإذا جاء دوره انكشف أنه فعلا بعيد عن الموضوع، وقد يهرب من الإنصات لأجل الفهم بممارسة بعض العادات كالتخطيط والرسم.

لكن المشكلة الحقيقية أننا بعيدون جدا عن هذا الكلام ، ليتنا نحرص فقط على إقناع الآخرين في حواراتنا معهم لكان الخطب هيناً، ولأمكن قبوله – على سلبيته - بحكم أن الإنسان يريد أن ينشر قناعاته، ويطوع الناس كما يريد لأنه يعتقد أنه على صواب... نحن في حواراتنا في المجالس وحتى في الصحف والمنتديات واقعون فيما هو أشد تخلفاً من الحرص على الإقناع .. البعض منا غارقون في الأحكام المسبقة والحكم على النوايا والجزم بذلك، بل وقد لا يتردد في الحلف والقسم على صحة ما يدعي وربما تسوء ألفاظه كما ساءت نواياه !.

والسبيل للخروج من هذه المشكلة هو تكثيف تعليم مهارات الحوار في المدارس والجامعات والتدرب عليها وجعلها هدفاً استراتيجياً وطنياً فبإتقانها ستحل مشكلات كثيرة بإذن الله ، ويدعم ذلك رغبة الفرد في أن يعيش حياة حضارية كريمة بتطوير فهمه لذاته وللعالم من حوله.

(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 14 ربيع الأول, 1429 03:23 ص , من قبل tmhms
من المملكة العربية السعودية

الله يعطيك العافيه على المعلومات القيمه والي جت في وقت انعدمك فيه ابسط مقومات الحوار الهادف البناء

نحن في زمن فرض الرأي ولو بالقوه ولم يعد هناك شيء اسمه حوار

تحياتي والف شكر على المعلومات الي استفدت انا منها

دمت بود


اضيف في 14 ربيع الأول, 1429 04:57 م , من قبل brh207

العفو لا شكر على واجب والله يعطيك العافيه . واتمنا ان نكون استفدنا جميعآ ولكي جزيل الشكر على مرورك وتعليقك تقبلي تحياتي وامتناني لك .


اضيف في 23 ربيع الأول, 1429 03:15 م , من قبل dam3atqalb
من المملكة العربية السعودية

موضوع قيّم جدا
لو عملنا بما ورد لأصبحنا أرقى وافضل مما نحن عليه!!

لك أطيب تحية ..


اضيف في 24 ربيع الأول, 1429 03:55 م , من قبل brh207

مشكوره خيتو على تعليقك واتمنا من الله ان نعمل به . اشكرك جزيل الشكر والعرفان الله يعطيك العافيه ...




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.